في أروقة وكالة الأنباء القطرية، حيث تسابق الكلمات الزمن وتتشكل صياغة الخبر بدقة متناهية، بدأت مسيرتي الصحفية الحافلة بالعطاء. لم تكن البداية مجرد وظيفة كمحررة في قسم التحرير العربي، بل كانت انطلاقة حقيقية في مدرسة صحفية عريقة، تعلمتُ فيها على يد أساتذة كبار في عالم الصحافة.
لقد كان هؤلاء الرعيل الأول قدوة لنا في الالتزام والمهنية، ونستذكرهم دائماً ونستحضر إرشاداتهم وتوجيهاتهم اليوم في كل زاوية من زوايا العمل، حيث غرسوا فينا أن الكلمة مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أي شيء.
عبر سنوات ممتدة من 2003 الى اليوم 2026 مليئة بالشغف ومواجهة الأزمات التحريرية، تدرجتُ في المسؤولية صعوداً إلى قيادة دفت العمل كمساعد رئيس دورة، ثم محرر أول رئيس دورة في النشرة العربية للوكالة.
هذه السنوات الطويلة لم تكن مجرد أرقام في التقويم، بل كانت تجربة حية صقلت خبرتي، وعززت معرفتي بآليات العمل الصحفي المتقدم، وتحولت فيها التحديات اليومية إلى نقاط قوة بنت شخصية قيادية قادرة على إدارة النشرات بكفاءة ومسؤولية كاملة.
اليوم، يتجلى هذا العطاء من خلال الإشراف على تدريب الموظفين الجدد وتأهيلهم؛ ورغم أن الجيل الشبابي الجديد يظهر أحياناً عدم اهتمام بالخبرات المكتسبة التي ننقلها إليهم، ومحاولاتهم للتملص من المسؤولية الصحفية الصارمة، إلا أنني أواصل أداء هذه الرسالة بكل حزم وصبر.
ولتوثيق هذه المسيرة، قمتُ بإعداد وتأليف كتاب متكامل يلخص عصارة خبراتي العملية والسياسات التحريرية المعتمدة والمحاذير المهنية، ليصبح هذا الكتاب الدليل المرجعي الأساسي لكل محرر في الوكالة، لضمان الحفاظ على هوية النص الصحفي ورصانته.
وما زالت هذه المسيرة مستمرة ومتدفقة بالعطاء؛ ولتوثيقها أكثر ومشاركتها على نطاق أوسع، قمتُ بتأسيس موقع "آفاق" الإلكتروني. يمثل هذا الموقع نافذتي الخاصة ومساحتي الحرة التي أنشر من خلالها المواضيع والمقالات التي أكتبها، سعياً لترك بصمة ولو كانت صغيرة في عالم الكلمة الشاسع.
إنها خطوة أسعى من خلالها إلى إتمام واجباتي تجاه نفسي أولاً، وتجاه من هم حولي ثانياً، عبر محاولاتي الدؤوبة والمستمرة لنقل المعرفة الحقيقية وتوسيع المدارك في زمن التضارب المعلوماتي.
وفي خضم هذا الطريق، يبقى هناك طموح دائم يراود الوجدان: "أتمنى أن أجد يوماً من يقرأ كلماتي بتمعن، وأن أجد صدى حقيقياً لها في عالم يركض لاهثاً حول المعلومات البسيطة والسطحية التي تحكمها الخوارزميات، حتى نضيع نحن وأفكارنا في زوايا التكنولوجيا المعقدة حيث لا أحد يرانا ولا أحد يسمع عنا"
لكنني، ورغم كل شيء، أقف اليوم فخورة ومطمئنة لشيء واحد أساسي.. وهو أنني لم أستسلم، ولن أنكر أبداً أنني حاولتُ بكل شغف، وما زلت أحاول.
سمر ضو
.png)

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب لنا ما يراودك من مواضيع ترغب في الاطلاع عليها