عند سفح جبل فوجي الياباني… مدينة المستقبل حيث يختبر البشر العيش مع الذكاء الاصطناعي

عند سفح جبل فوجي، وهو أعلى قمة في اليابان  بارتفاع 3776 متراً، ويعد بركاناً نشطاً (خامداً حالياً منذ 1707) ورمزاً ثقافياً وطبيعياً مدرجاً على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، يتشكّل واحد من أكثر المشاريع التكنولوجية طموحًا في العالم، حيث تعمل تويوتا على تطوير مدينة تجريبية تحمل اسم Woven City، لتكون “مختبرًا حيًا” لاختبار تقنيات المستقبل، من الذكاء الاصطناعي إلى المركبات ذاتية القيادة والروبوتات.

مدينة المستقبل… من الفكرة إلى الواقع

تمتد المرحلة الحالية من المشروع على مساحة تقارب 47 ألف متر مربع، مع خطط للتوسع إلى نحو 294 ألف متر مربع عند اكتماله، وباستثمار يُقدّر بحوالي 10 مليارات دولار. وقد بدأ بالفعل نحو 100 من السكان، الذين يُطلق عليهم “الحائكون”، العيش داخل المدينة، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 2000 نسمة خلال المراحل المقبلة.

ولا تقتصر المدينة على كونها مجمعًا سكنيًا متطورًا، بل تُعد بيئة اختبار متكاملة تُحاكي الحياة اليومية، حيث تتحرك المركبات ذاتية القيادة جنبًا إلى جنب مع المشاة، وتعمل روبوتات التوصيل في الشوارع، بينما تُدار العديد من الخدمات عبر أنظمة ذكية تعتمد على البيانات الفورية.

التنقل كخدمة ذكية
يرتكز المشروع على إعادة تعريف مفهوم التنقل، بحيث يصبح جزءًا من البنية التحتية الاجتماعية، وليس مجرد وسيلة انتقال. ويجري جمع بيانات دقيقة حول حركة السكان وتفاعلهم مع الأنظمة الذكية، بهدف تطوير حلول تنقل أكثر أمانًا وكفاءة.

كما تم تصميم المدينة بثلاثة أنواع من الطرق:

مسارات مخصصة للمركبات ذاتية القيادة

مسارات للمشاة فقط

مسارات مشتركة للوسائط الخفيفة مثل الدراجات

هذا الفصل الذكي يقلل من الحوادث ويخلق نموذجًا جديدًا لمدن أكثر أمانًا واستدامة.

مختبر مفتوح للتجارب

تُستخدم Woven City لاختبار مجموعة واسعة من الابتكارات، تشمل: روبوتات منزلية للمساعدة اليومية، أنظمة لوجستية ذاتية التشغيل، بنية تحتية ذكية لإدارة الطاقة والمياه، نماذج أولية لوسائل نقل مستقبلية مثل “التاكسي الطائر”.

كما يجري اختبار خدمات تحت الأرض، حيث تعمل أنظمة نقل لوجستية في ممرات مخصصة بعيدًا عن حركة السكان، ما يعزز الكفاءة ويقلل الازدحام.

السكان… جزء من التجربة

ما يميز هذه المدينة أن سكانها ليسوا مجرد مستخدمين، بل جزء من عملية التطوير نفسها. فهم يختبرون التقنيات في حياتهم اليومية، ويقدمون ملاحظات مباشرة للمطورين، ما يساعد على تحسين المنتجات قبل طرحها تجاريًا.

ويؤكد خبراء أن هذه البيئة المغلقة نسبيًا تتيح اختبار تقنيات يصعب تطبيقها على الطرق العامة بسبب القيود التنظيمية، ما يمنح المشروع أهمية خاصة في تسريع تطوير المركبات ذاتية القيادة.

أبعاد اقتصادية وتشريعية

لا يقتصر دور المدينة على الابتكار التقني، بل يمتد إلى دعم صُنّاع القرار، إذ توفر البيانات الناتجة عنها أساسًا علميًا لتطوير القوانين والتشريعات المتعلقة بالتكنولوجيا الحديثة.

كما يُتوقع أن تسهم هذه التجارب في تعزيز الاقتصاد الرقمي، وفتح مجالات جديدة للاستثمار في قطاعات مثل النقل الذكي والطاقة المستدامة والخدمات الرقمية.

نحو مدن أكثر ذكاءً

يمثل المشروع نموذجًا لما قد تكون عليه مدن المستقبل، حيث تتكامل التكنولوجيا مع الحياة اليومية بشكل غير مرئي، لتوفير بيئة أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة.

ومع استمرار تطور Woven City، تترقب الأوساط التقنية والعلمية نتائج هذه التجربة الفريدة، التي قد تعيد رسم ملامح المدن حول العالم في العقود المقبلة.

تعليقات