يُعتبر الصحفي شاهدًا على الحقيقة وناقلًا للوقائع، خلال النزاعات المسلحة، وليس هدفًا مشروعًا في ساحة المعركة. غير أن السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال عامي 2025 و2026، كشفت عن واقع مغاير في جنوب لبنان، حيث بات الصحفيون يعملون تحت تهديد مباشر، في ظل تكرار حوادث القتل والإصابة أثناء التغطية الميدانية للغارات الإسرائيلية.
هذه الوقائع لا تثير القلق على المستوى المهني فحسب، بل تفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة بشأن مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ حماية المدنيين، بمن فيهم العاملون في المجال الإعلامي.
و تشير الإحصاءات الدولية إلى تصاعد غير مسبوق في استهداف الصحفيين حول العالم خلال عامي 2025 و2026، حيث قُتل ما يصل إلى 129 صحفياً وعاملاً إعلامياً في عام 2025 وفق لجنة حماية الصحفيين، فيما قدّر الاتحاد الدولي للصحفيين العدد بـ128 صحفياً، في حين سجّلت اليونسكو 93 حالة قتل، وهو تفاوت يعكس اختلاف منهجيات التوثيق، لكنه لا يقلل من خطورة الاتجاه العام الذي يجعل من هذا العام الأكثر دموية للإعلام منذ عقود.
وتُظهر البيانات أن أكثر من 80 في المئة من هؤلاء القتلى سقطوا في مناطق نزاع مسلح، ما يؤكد أن الحروب باتت البيئة الأكثر فتكاً بالعمل الصحفي.
وفي هذا السياق، برزت غزة بوصفها المركز الأخطر عالمياً على حياة الصحفيين، إذ سجّلت وحدها النسبة الأكبر من الضحايا. فقد أفادت لجنة حماية الصحفيين بمقتل 86 صحفياً بنيران إسرائيلية خلال عام 2025 فقط، بينما أشار الاتحاد الدولي للصحفيين إلى مقتل 56 صحفياً في القطاع خلال العام نفسه، في حين قدّرت منظمة “مراسلون بلا حدود” أن نحو 43 في المئة من إجمالي الصحفيين الذين قُتلوا في العالم عام 2025 سقطوا في غزة.
وعلى امتداد الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023، تجاوز عدد الصحفيين الفلسطينيين الذين فقدوا حياتهم ما بين 180 و240 صحفياً وفق تقديرات جهات متعددة، ما يجعل القطاع أحد أخطر البيئات الإعلامية في التاريخ الحديث.
أما في لبنان، وعلى الرغم من أن الأعداد المسجلة تبقى أقل مقارنة بغزة، إلا أنها تحمل دلالات مقلقة، إذ سقط عدد من الصحفيين خلال عامي 2025 و2026 أثناء تغطيتهم الميدانية في الجنوب، في ظروف تشير إلى استهداف مباشر أو غير مباشر.
تُظهر الوقائع الميدانية تكرار أنماط بالغة الخطورة في استهداف الصحفيين، من أبرزها القصف المباشر أثناء التغطية في مناطق مفتوحة أو مواقع مدنية، واستهداف مركبات تقل صحفيين رغم وضوح هويتها الإعلامية، إلى جانب تكرار الضربات على الموقع ذاته عقب تجمع فرق الإنقاذ أو الإعلام، فضلًا عن عرقلة عمليات الإسعاف في بعض الحالات.
رغم خطورة هذه الحوادث، لا تزال التحقيقات الدولية محدودة، بينما يواجه ملف محاسبة المسؤولين تحديات سياسية وقانونية.
إن استهداف الصحفيين، سواء كان نتيجة خطأ جسيم أو سلوك متكرر، لا يمكن التعامل معه كأثر جانبي للحرب. فحرية الصحافة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية في أي نظام دولي يسعى إلى كشف الحقيقة ومساءلة الأطراف المتحاربة.
ومع تزايد عدد الضحايا في لبنان، لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كانت هذه الحوادث فردية، بل ما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على فرض قواعده وحماية من ينقلون الحقيقة من قلب الميدان.
وعليه، فان استمرار سقوط الصحفيين دون محاسبة لا يهدد حياتهم فقط، بل يقوّض أحد أهم أعمدة العدالة الدولية: حق العالم في المعرفة.

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب لنا ما يراودك من مواضيع ترغب في الاطلاع عليها