أظهرت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط خلال عام 2026 تحولًا مهمًا في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم تعد البنية التحتية التقليدية مثل المطارات والمصانع ومحطات الطاقة وحدها أهدافًا عسكرية محتملة، بل أصبحت البنية التحتية الرقمية، وعلى رأسها مراكز البيانات (Data Centers)، جزءًا من الجبهة الجديدة للحروب الحديثة.
ففي حادثة وُصفت بأنها غير مسبوقة، أفادت تقارير إعلامية نشرتها صحيفة The Guardian بأن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مراكز بيانات مرتبطة بخدمات الحوسبة السحابية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أدى ذلك إلى تعطّل عدد من الخدمات الرقمية التي يستخدمها ملايين الأشخاص يوميًا، من تطبيقات النقل وخدمات توصيل الطعام إلى أنظمة الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية.
ووفق التقارير، استهدفت غارات جوية إيرانية بطائرات مسيّرة ثلاثة مراكز بيانات تابعة لشركة Amazon Web Services في الإمارات والبحرين، فيما أكدت إيران أنها استهدفت البنية التحتية السحابية للشركة. ونتيجة لهذه الهجمات تعطلت منطقتان من مناطق التوافر الثلاث في منطقة ME-CENTRAL-1، مما تسبب في انقطاعات في عدد من الخدمات الأساسية مثل EC2 وS3 وDynamoDB وLambda وRDS.
ويُعد هذا الهجوم أول استهداف عسكري مؤكد لمزود خدمة سحابية فائقة التوسع، وفقًا لتقييم Uptime Institute، وهو ما يعكس تغيرًا جوهريًا في طبيعة التهديدات التي تواجه البنية التحتية الرقمية العالمية.
وأكدت شركة Amazon Web Services عبر لوحة بياناتها التشغيلية أن منشأتين تابعتين لها في الإمارات تعرضتا لهجوم مباشر، بينما تضرر موقع ثالث في البحرين نتيجة انفجار قريب. وقد أدت هذه الهجمات إلى أضرار هيكلية وانقطاع في التيار الكهربائي، كما تسبب تشغيل أنظمة إخماد الحرائق في بعض المواقع بأضرار إضافية نتيجة المياه. وأبلغت الشركة عملاءها أن عملية التعافي قد تستغرق وقتًا طويلاً بسبب طبيعة الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية.
ويعكس هذا التطور حقيقة أساسية في الاقتصاد الرقمي المعاصر مفادها أن السيطرة على البيانات لم تعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبحت مصدرًا لنفوذ اقتصادي واستراتيجي هائل.
ما هي مراكز البيانات؟
تمثل مراكز البيانات منشآت تقنية ضخمة تحتوي على آلاف أو حتى ملايين الخوادم (Servers) التي تخزن البيانات وتشغّل الخدمات الرقمية المختلفة. وتشمل هذه الخدمات الإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية والخدمات المصرفية الرقمية والحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وبفضل هذه القدرات الحاسوبية الهائلة، أصبحت مراكز البيانات بمثابة العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، إذ توفر القدرة الحسابية والتخزين اللازمين لمعالجة كميات ضخمة من البيانات التي تعتمد عليها الشركات والمؤسسات والحكومات في مختلف أنحاء العالم.
وتشير دراسة نشرت عام 2023 بعنوان"Compute at Scale: A Broad Investigation into the Data Center Industry" إلى أن قيمة صناعة مراكز البيانات عالميًا تُقدّر بنحو 250 مليار دولار أمريكي، مع توقعات بأن تتضاعف هذه القيمة خلال السنوات السبع المقبلة. كما تُشير الدراسة إلى وجود نحو 500 مركز بيانات كبير تزيد قدرته التشغيلية على 10 ميغاواط حول العالم، فيما تعد الولايات المتحدة وأوروبا والصين من أهم الأسواق في هذا القطاع.
البنية التحتية الرقمية كهدف عسكري
يرى عدد من الخبراء أن استهداف مراكز البيانات لم يكن أمرًا مفاجئًا في ظل تصاعد أهمية البيانات في الاقتصاد العالمي. فقد أشار فينسنت بولانين Vincent Boulanin، مدير برنامج حوكمة الذكاء الاصطناعي في Stockholm International Peace Research Institute، إلى أنه كان يتوقع منذ سنوات احتمال تحول هذه المراكز إلى أهداف عسكرية في النزاعات المستقبلية.
وقال بولانين إن استهداف مراكز البيانات في الإمارات والبحرين يمكن تفسيره باعتبارها بنية تحتية بالغة الأهمية، ليس فقط بسبب تأثيرها على الاقتصاد الرقمي، بل أيضًا لاحتمال استخدامها في دعم العمليات العسكرية أو الاستخباراتية.
وأضاف أن استهداف هذه المنشآت يثير تساؤلات قانونية مهمة، إذ إن البنية التحتية المدنية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني من الهجمات المباشرة خلال النزاعات المسلحة، ما لم تكن هناك أدلة واضحة على استخدامها في دعم العمليات العسكرية.
من جانبه، يرى جيمس شيرز James Shires، المدير المشارك في مركز الأبحاث Virtual Routes، أن الشركات التكنولوجية الكبرى التي تمتلك مراكز بيانات ضخمة قد تكون الأكثر عرضة لمثل هذه الهجمات، ومن بينها شركات مثل Microsoft و Google Cloud و Amazon Web Services .
وأشار شيرز إلى أن مراكز البيانات المملوكة لشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى مثل OpenAI و Anthropic قد تكون أيضًا أهدافًا محتملة في حال كان الهدف من الهجوم تعطيل معالجة البيانات العسكرية أو الاستخباراتية.
من الهجمات السيبرانية إلى الهجمات المادية
قبل عام 2025 كانت التهديدات الرئيسية التي تواجه مراكز البيانات تقتصر في الغالب على الهجمات السيبرانية ومحاولات الاختراق الإلكتروني التي تنفذها مجموعات قرصنة أو جهات مرتبطة بدول. إلا أن أحداث عام 2026 كشفت مرحلة جديدة من المخاطر، حيث أصبحت هذه المنشآت معرضة أيضًا لهجمات عسكرية مباشرة باستخدام الطائرات المسيّرة أو الصواريخ.
وقد أدى هذا التطور إلى إعادة تقييم واسعة لاستثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في منطقة الخليج، التي تسعى إلى التحول إلى مركز عالمي للحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما كشفت هذه التطورات عن تحديات جديدة في تصميم وتشغيل مراكز البيانات. فإلى جانب حماية الأنظمة الرقمية من الاختراقات الإلكترونية، أصبح من الضروري تعزيز الحماية المادية لهذه المنشآت، من خلال تحصين المباني وتطوير أنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيّرة وضمان استقلالية مصادر الطاقة لضمان استمرار التشغيل في حالات الطوارئ.
الذكاء الاصطناعي والبعد العسكري للبيانات
في موازاة ذلك، يتزايد الدور العسكري للبيانات مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. وتشير دراسة بعنوان "Bridging the Gap: Institutional Models and the Covert Diffusion of Military Intelligence, Surveillance and Targeting" إلى أن الجيوش الحديثة تعتمد بشكل متزايد على أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المعروفة اختصارًا بـ ISTAR.
وتعتمد هذه الأنظمة على جمع البيانات من مصادر متعددة مثل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والبيانات المفتوحة، ثم تحليلها باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتقييم ساحة المعركة واتخاذ القرارات العملياتية.
تكشف هذه التطورات أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبحت تشمل أيضًا البنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، أصبحت مراكز البيانات بمثابة القلب النابض للاقتصاد الرقمي العالمي. ولذلك فإن استهدافها لا يقتصر تأثيره على المؤسسات التكنولوجية فحسب، بل قد يؤدي في غضون دقائق إلى تعطيل حياة ملايين الأشخاص وتعطيل قطاعات اقتصادية كاملة.
وفي ظل هذه التحولات، يبدو واضحًا أن السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية أصبحت أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية في العالم المعاصر.
مراجع:
Data centres are the new target in modern warfare during Iran war, experts say
https://www.euronews.com/next/2026/03/12/data-centres-are-the-new-target-in-modern-warfare-during-iran-war-experts-say
US-Iran War 2026: The New Risk Calculus for Data Center Investment and Infrastructure
https://enkiai.com/data-center/data-center-risk-2026-surviving-the-us-iran-conflict
Pilz, K., & Heim, L. (2023). Compute at scale: A broad investigation into the data center industry (Version 4). arXiv. https://doi.org/10.48550/arXiv.2311.02651
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب لنا ما يراودك من مواضيع ترغب في الاطلاع عليها