ما إن يُنشر خبر أو صورة أو مقطع فيديو، حتى تتلقفه وسائل الإعلام والمنصات الرقمية ويتحوّل في لحظات إلى مادة متداولة على نطاق واسع، غالبًا من دون التوقف عند خلفيات الحدث أو تداعياته، أو التحقق من دقة المعلومات المرتبطة به، أو حتى التساؤل عمّا إذا كانت هذه اللقطات تنتهك خصوصية أشخاص معنيين بها.
والمؤسف أن الإعلام الرقمي، على الرغم مما تفرضه طبيعته من سرعة وانتشار، يغفل في كثير من الأحيان أهمية الدقة والتحقق من المصداقية، ما يفتح الباب أمام التضليل، ويُضعف ثقة الجمهور، ويطرح تساؤلات متزايدة حول الالتزام بأخلاقيات العمل الإعلامي في الفضاء الرقمي، في ظل سباق محموم على التفاعل والمشاهدات
المسؤولية المهنية في البيئة الرقمية
بفضل التكنولوجيا الحديثة المتوفرة بين الأشخاص ، شهد الإعلام تغيرات كبيرة ، حيث أتاحت لكل فرد القيام بالنشر وبالبث المباشر، ما أحدث تحولات جذرية في عالم الصحافة، ليرتبط مفهوم الإعلام عبر الوسائط الجديدة بأنماط جديدة من الانتهاكات الأخلاقية ساهمت البيئة الرقمية في انتشارها.
وفي ظل هذا التدفق السريع للمعلومات، تظهر الحاجة الماسة لإعادة النظر في معايير التحقق والمصداقية خاصة مع بروز ممارسات مهنية غير سليمة لدى عدد متزايد من العاملين في المجال الإعلامي، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للدور الأساسي لوسائل الإعلام، ويدفع في بعض الأحيان إلى تغليب المصالح الشخصية أو الاعتبارات الفردية على المصلحة العامة أثناء أداء العمل الصحفي.
وتكمن أهمية أخلاقيات الإعلام في كونها إطارًا جامعًا للمبادئ والقيم والمعايير السلوكية والممارسات الجيدة، التي توجّه أداء الصحفيين وتوضح كيفية تطبيقها في مواجهة التحديات المهنية اليومية. كما تستند هذه الأخلاقيات إلى منظومة قيم إنسانية عالمية، من أبرزها احترام الكرامة الإنسانية، والصدق، والنزاهة، والمسؤولية الاجتماعية، والتضامن بين الأفراد والمجتمعات.
الأخبار الزائفة والتضليل الرقمي
ففي ظل الأزمات الكبرى، كالحروب والكوارث والأوبئة، تتحول المنصات الرقمية إلى بيئة خصبة لانتشار الأخبار غير المؤكدة أو المفبركة. وغالبًا ما تُتداول هذه المواد على نطاق واسع قبل إخضاعها لأي عملية تحقق مهني، ما يضع الصحافة الرقمية أمام اختبار أخلاقي حقيقي بين السرعة والدقة.
ويُعدّ النشر دون تحقق، أو إعادة تداول محتوى مجهول المصدر، من أخطر الممارسات التي تقوّض ثقة الجمهور بالإعلام، خصوصًا عندما تُستخدم صور قديمة أو فيديوهات مجتزأة على أنها أحداث راهنة، بهدف التأثير في الرأي العام أو توجيه السردية الإعلامية.
وتتفاقم خطورة هذه الممارسة عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو الضحايا، حيث تُغلَّب نسب المشاهدة والتفاعل على الكرامة الإنسانية، في خرق واضح لمبادئ العمل الصحفي المسؤول.
الخوارزميات كمحرر غير مرئي
ولا يمكن تجاهل الدور المتنامي للخوارزميات، التي أصبحت تتحكم بشكل غير مرئي فيما يراه المستخدمون. فالخوارزميات، التي باتت تعمل كمحرر خفي يحدد ما يراه الجمهور. إذ تُروّج المنصات الرقمية للمحتوى المثير للغضب أو الانقسام لأنه يحقق تفاعلًا أعلى، بغضّ النظر عن دقته أو قيمته الصحفية.
ويثير هذا الواقع إشكاليات أخلاقية تتعلق بتضييق التنوع في الآراء، وتعزيز الاستقطاب، وغياب الشفافية في تشكيل أجندة الأخبار، ما يستدعي التزامًا مهنيًا أكبر من المؤسسات الإعلامية لمواجهة هذا الانحياز الخوارزمي.
وعليه، تطرح الفضاءات الإلكترونية الجديدة العديد من التساؤلات حول أخلاقيات ممارسة مهنة الإعلام ومدى احترام الفاعلين الجدد في الحقل الإعلامي للآداب والمعايير المتعلقة بالالتزام بالدقة والموضوعية والتوازن، بالإضافة إلى ضرورة التحقق من صحة الأخبار ومصادرها واحترام المواثيق.
وفي هذا السياق، فإن الواجبات المهنية الملقاة على عاتق الصحفيين في الإعلام التقليدي تنطبق أيضًا على العاملين في البيئة الرقمية، وإن اختلفت آليات الممارسة أو طبيعة المهام الموكلة إليهم بما يتلاءم مع خصوصية العمل الرقمي ومتطلباته التقنية والتفاعلية.
الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي
ومع التقدم الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن اليوم إنشاء صور ومقاطع فيديو شبه واقعية لأي حدث أو موقف تقريبًا، ما قد يطمس الحدود بين المحتوى الذي تولده الآلات والواقع الفعلي. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج فيديوهات لاحتجاجات أو كوارث طبيعية لم تحدث فعليًا، ما يثير خطر التضليل الإعلامي.
كما تُظهر نماذج الذكاء الاصطناعي قدرات متقدمة في تأليف الموسيقى وتقليد الصوت البشري، مما يوسع نطاق الإمكانيات الإبداعية، ويتيح إنتاج محتوى متكامل بدون تدخل بشري.
من الأمثلة الحديثة على ذلك AutoGPT، الذي يمكنه توليد مطالبات خاصة به وتنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل، ما يضع مسؤولية التحقق والتدقيق على عاتق المؤسسات الإعلامية أكثر من أي وقت مضى.
وفي ظل التوسع السريع للذكاء الاصطناعي وانتشار الأخبار الفورية على المنصات الرقمية، أصبح الالتزام بأخلاقيات الإعلام ضرورة ملحّة لضمان مصداقية الصحافة وحماية حقوق الأفراد. فالتوازن بين السرعة والدقة، والشفافية في عرض المحتوى، واحترام الخصوصية، يشكل حجر الزاوية للعمل الصحفي المسؤول.
المسائل الأخلاقية في الاعلام الرقمي وإشكالاته القانونية Ethical Issues In Digital Media And Its Legal Problems
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب لنا ما يراودك من مواضيع ترغب في الاطلاع عليها