الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي: تهديد متصاعد لخصوصية الأطفال والمجتمع إعداد: سمر ضو

نستعيد ذكرياتنا ولا نجد صورًا تجمعنا بمن نحب، فنلجأ إلى التكنولوجيا لتخفيف عبء الحنين، باستخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور تجمعنا معهم، أو لتخيل المستقبل مع أحفادنا وأفراد عائلاتنا.

 هذه الصور المركبة والمعقدة تعكس رغباتنا وذكرياتنا، وتمنح شعورًا بالدفء والارتباط، لكنها في حد ذاتها إبداع آمن وجزء من الإمكانيات الإيجابية للتكنولوجيا.

 غير أن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزت حدود الاستخدام الشخصي لتصبح أداة تهدد المجتمع وخصوصيات الأفراد. 

وبينما يستمتع البعض بالإبداع الآمن، فإن هذه التقنيات تحمل في طياتها تهديدات ملموسة تتطلب اهتمامًا عاجلاً."فقد أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي إنشاء صور مركبة تزيف الواقع، تشوه السمعة، وتتهم الناس بما لم يفعلوه، أو تعرض الأطفال للاستغلال عبر محتوى جنسي أو غير أخلاقي. 

هذه الانتهاكات تُضعف ثقة الأفراد بالمحتوى الرقمي، وتفتح الباب أمام الابتزاز النفسي والاجتماعي، مما يجعل الحاجة إلى التشريعات الصارمة والمراقبة التقنية أكثر إلحاحًا.

وبهذا يصبح  الذكاء الاصطناعي مصدر تهديد حقيقي للأمن الرقمي والقيم الإنسانية، لا سيما عندما يُستغل في إنتاج صور ومحتويات تنتهك كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. 

    وفي صدارة هذه المخاطر، تبرز قضية الصور الإباحية للأطفال المُولَّدة أو المُحرَّفة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي دفعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى إطلاق تحذيرات متصاعدة والدعوة إلى تحرك قانوني عاجل على المستوى الدولي.

 التهديدات الأمنية والأخلاقية للصور المولدة بالذكاء الاصطناعي

وبسبب هذه المخاطر، سارعت منظمات دولية إلى التحذير من العواقب الوخيمة لهذه الظاهرة. وفي هذا السياق ، دعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في بيان لها صادر بتاريخ في 4 فبراير 2026 الدول إلى تجريم إنشاء محتوى الاعتداء الجنسي على الأطفال بواسطة الذكاء الاصطناعي، قائلة إنها تشعر بالقلق إزاء التقارير التي تفيد بزيادة عدد صور الذكاء الاصطناعي التي تستغل الأطفال جنسياً.

كما حثت المطورين على تطبيق مناهج السلامة بالتصميم ووضع ضوابط لمنع إساءة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي. وأكدت على ضرورة أن تمنع الشركات الرقمية تداول هذه الصور من خلال تعزيز مراقبة المحتوى والاستثمار في تقنيات الكشف.

 وأكدت اليونيسف في بيان لها أن "الضرر الناجم عن إساءة استخدام تقنية التزييف العميق حقيقي وملِحّ، ولا يمكن للأطفال انتظار تطبيق القانون".  

 وأفادت أن ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل في 11 دولة كشفوا عن تعرض صورهم للتلاعب وتحويلها إلى صور مزيفة ذات محتوى جنسي صريح خلال العام الماضي.

 الاستخدامات الضارة والسياسات الرقابية

وبالفعل ، تزايدت المخاوف في السنوات الأخيرة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى إساءة معاملة الأطفال، وخاصة برامج الدردشة الآلية مثل Grok التابعة لشركة xAI - المملوكة لإيلون ماسك - والتي خضعت للتدقيق لإنتاجها صورًا جنسية للنساء والقاصرين.

وكشف تحقيق أجرته وكالة رويترز أن برنامج الدردشة الآلي استمر في إنتاج هذه الصور حتى عندما حذر المستخدمون صراحةً من أن الأشخاص المعنيين لم يوافقوا على ذلك.

 وهكذا، أصبح واضحًا أن المخاطر لا تأتي فقط من التكنولوجيا نفسها، بل من السياسات والإجراءات التي تعتمدها الشركات المطورة. أكد تحقيق استقصائي موسع نشرته صحيفة واشنطن بوست أن شركة الذكاء الاصطناعي (أكس أيه آي- xAI) المملوكة للملياردير إيلون ماسك اتخذت مسارا مثيرا للجدل عبر تخفيف قيود الحماية التقنية والضوابط الأخلاقية على المحتوى الجنسي الصريح، وذلك في إطار رهان إستراتيجي يهدف إلى رفع شعبية منصتها وجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين.

الأطر التشريعية الحالية والمقترحة

  وإشارة إلى ما ذكر،  تُشكّل الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تقنيات التزييف العميق، تهديداً متزايداً للخصوصية الفردية. فهذه الصور، التي يمكنها تقليد الواقع بدقة مذهلة، تُستخدم أحياناً لإنشاء محتوى مسيء أو جنسي، أو لتزييف مشاهد خاصة لأشخاص حقيقيين. 

بالتالي، يصبح التعاون بين الجهات التشريعية والشركات والمجتمع ضرورة لا غنى عنها لمواجهة التحديات الرقمية الحديثة. ولمواجهة هذه التحديات، يتطلب الأمر اعتماد نهج شامل يجمع بين التشريعات الصارمة وأدوات المراقبة التقنية والتوعية المجتمعية. 

ومن هنا يجب على الحكومات سن قوانين تمنع إنتاج وتداول الصور المسيئة،  وعلى الشركات الرقمية الاستثمار في تقنيات الكشف الفوري وإزالة المحتوى الضار، بينما تلعب حملات التوعية دوراً أساسياً في تعليم الأفراد خصوصياتهم الرقمية وطرق حماية أنفسهم.

و تبقى المسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف لضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل آمن وأخلاقي يحمي خصوصية الأفراد ويصون القيم الاجتماعية.

 

 مصادر:

الاتحاد الأوروبي يدرس حظر الصور الجنسيّة المولّدة بالذكاء الاصطناعي

https://www.aajsa.com/entertainment_media/  

الإساءات القائمة على تقنية التزييف العميق هي إساءات فعلية‘

 https://www.unicef.org/ar/ 

UNICEF calls for criminalization of AI content depicting child sex abuse

https://www.reuters.com/technology/unicef-calls-criminalization-ai-content-depicting-child-sex-abuse-2026-02-04/

تعليقات