ثورة المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي: من يربح سباق المستقبل؟

 شهد سوق العمل العالمي تحولا متسارعا بفعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية، في موجة تغيير قد تعيد رسم خريطة الوظائف كما فعلت الثورات الصناعية السابقة. غير أن مكاسب التحول التكنولوجي لم تكن يوما موزعة بالتساوي، وهو ما يفرض اليوم تحديات جديدة على صناع السياسات لضمان جاهزية العمال والشركات على حد سواء.

وبحسب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي تحت عنوان: المهارات الجديدة والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل مستقبل العمل، فعلى الرغم من اختفاء بعض الوظائف، تظهر في المقابل أدوار ومهارات ومهن جديدة. وتشير تحليلات حديثة إلى أن وظيفة من كل عشر وظائف في الاقتصادات المتقدمة، وواحدة من كل عشرين في اقتصادات الأسواق الصاعدة، تتطلب مهارة جديدة واحدة على الأقل. 
ويتركز الطلب الأكبر في الوظائف المهنية والتقنية والإدارية، لا سيما في قطاع تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب تنامي الحاجة إلى مهارات متخصصة في قطاعات مثل الرعاية الصحية الرقمية والتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


أجور أعلى… وتأثيرات متباينة

تُظهر البيانات أن الوظائف التي تتطلب مهارات جديدة تحظى بأجور أعلى. ففي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، ترتفع الأجور بنحو 3% للوظائف التي تتطلب مهارة جديدة واحدة، وقد تصل الزيادة إلى 15% في المملكة المتحدة و8.5% في الولايات المتحدة عند طلب أربع مهارات جديدة أو أكثر. ويسهم ذلك في تنشيط الاقتصادات المحلية عبر زيادة الإنفاق وخلق فرص عمل إضافية.

لكن الصورة ليست متجانسة. ففي حين يستفيد أصحاب المهارات العالية والمنخفضة، تواجه الوظائف متوسطة المهارات ضغوطا متزايدة. كما أن مهارات الذكاء الاصطناعي، رغم ارتفاع أجورها، لم ترتبط حتى الآن بزيادة مماثلة في التوظيف.

 وتشير البيانات إلى تراجع مستويات التوظيف في المهن الأكثر عرضة للأتمتة بنسبة 3.6% بعد خمس سنوات في المناطق التي يرتفع فيها الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي، ما يضع تحديات إضافية أمام الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

خيارات السياسات تصنع الفارق

يؤكد التقرير أن هذه الاتجاهات ليست قدرا محتوما. فقد طور صندوق النقد الدولي مؤشرا لقياس اختلال توازن المهارات، إلى جانب مؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي، لتقييم مدى استعداد الدول لاعتماد التكنولوجيا دون تعثر.

وتنقسم الدول إلى فئتين رئيسيتين:

  • دول يرتفع فيها الطلب على المهارات الجديدة مع محدودية العرض، مثل البرازيل والمكسيك والسويد، ما يستدعي الاستثمار في التعليم والتدريب وتعزيز مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

  • دول تمتلك فائضا نسبيا في المواهب مقابل طلب محدود، مثل أستراليا وآيرلندا وبولندا، ويكمن التحدي أمامها في تحفيز الابتكار وتمكين الشركات من استيعاب الطاقات المتاحة.

أما الاقتصادات الصاعدة ومنخفضة الدخل، فتحتاج إلى الجمع بين السياسات التعليمية والتحفيزية لتعزيز العرض والطلب معا.

إعادة تصميم التعليم والحماية الاجتماعية

يشدد التقرير على ضرورة تحديث نظم التعليم لتزويد الطلاب بمهارات معرفية وإبداعية وفنية مكملة للذكاء الاصطناعي، بدلا من منافسته. 

كما يوصي بتعزيز برامج التعلم مدى الحياة، وتحسين الحماية الاجتماعية لدعم الفئات المتضررة من التحولات الوظيفية، إلى جانب سياسات تعزز المنافسة وتمنع تركز القوة السوقية.

وتبرز دول مثل فنلندا وآيرلندا والدنمارك كنماذج متقدمة في الاستثمار في التعليم العالي وبرامج التعلم المستمر، ما يعزز جاهزية قواها العاملة لمتطلبات المستقبل.

نحو انتقال عادل

يخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون محركا للنمو والازدهار إذا ما ترافق مع سياسات استباقية تضمن تقاسم مكاسبه. فالتحول الرقمي لا يمس الاقتصاد فحسب، بل يرتبط أيضا بكرامة العمل ومعناه في حياة الأفراد. 

ومن ثم، فإن الاستثمار في المهارات، ودعم العمال خلال التحولات، والحفاظ على تنافسية الأسواق، تمثل ركائز أساسية لانتقال عادل ومستدام.

وفي خضم التحول العميق الذي يقوده الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال ما إذا كانت الوظائف ستتغير، بل كيف سنستعد لهذا التغيير. فالمستقبل لا ينتظر المترددين، بل يكافئ الأنظمة التعليمية المرنة، والأسواق التنافسية، والسياسات التي تستثمر في الإنسان قبل التقنية.

إن الذكاء الاصطناعي ليس خصمًا لسوق العمل بقدر ما هو اختبار لمدى قدرتنا على إعادة تصميمه بصورة أكثر عدالة وكفاءة. فالاقتصادات التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى التكنولوجيا فحسب، بل التي تمكّن عمالها من استخدامها بمهارة وثقة.

وفي نهاية المطاف، سيبقى العامل البشري – بمرونته وإبداعه وقدرته على التعلم – هو العنصر الحاسم في معادلة المستقبل. أما الخيارات التي تُتخذ اليوم، فهي التي ستحدد ما إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي ستوسع فجوة الفرص، أم ستفتح آفاقًا جديدة لازدهار أكثر شمولًا.

تعليقات