تآكل الدماغ: كيف يسرق العالم الرقمي تركيزنا وذاكرتنا إعداد : سمر ضو

 أدرج قاموس أكسفورد مصطلح «تآكل الدماغ» (Brain Rot) في سياق جديد يعكس مخاوف متزايدة من تأثير العصر الرقمي على الوظائف الإدراكية للبشر، ليكون علامة بارزة على التحوّلات النفسية والمعرفية التي باتت ترتبط بالاستخدام المفرط للتكنولوجيا. 

ويتجاوز هذا المصطلح الدلالات الطبية التقليدية ليشير، بصورة وصفية وتحذيرية، إلى الحالة التي يختبرها عدد متزايد من الأفراد نتيجة التشتّت المستمر، وانخفاض القدرة على التركيز، وتقلّص الجهد الذهني في مواجهة الكمّ الهائل من المعلومات الرقمية اليومية.

وتُظهر الدراسات الحديثة أن الاستخدام المكثّف للأجهزة الذكية والتطبيقات الرقمية يمكن أن يؤدي إلى تغيّرات في أنماط التفكير وسلوكيات الانتباه، ما يجعل الدماغ أقل قدرة على الاحتفاظ بالمعلومات التقليدية، وأضعف في مهارات التحليل العميق والتفكير النقدي.


 تبدأ الرحلة بمقطع فيديو قصير، ربما "ريل" عابر لا تتجاوز مدته ثواني معدودة، لكن ما تلبث أن تجد نفسك غارقا في دوامة لا تنتهي من مئات المقاطع المختزلة، تُطالع عينيك لكن لا تُغني فكرك بأي شيء.

إنه الإدمان الناعم، الذي يسلب منك الوقت، ويسرق منك التركيز حتى تصبح عاجزا عن تأمل نص عميق، أواستشراف فكرة عميقة.

 هذا التآكل لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة محكمة لوتيرة الاستهلاك السريع والمفرط التي تحدث عنها الكثير من الخبراء والكتّاب. ففي كتاب "لا تغذِّ عقل القرد"، حذرت جينيفير شانون من ترك عقولنا رهينة للملهيات السطحية.

واستطرادا لما سبق ، نشرت يورونيوز تقريرًا في 28 مايو 2025 حول ما إذا كان ما يسمى بـ"تآكل الدماغ"(Brain Rot) حقيقياً، وما إذا كان الإفراط في استخدام الشاشات الرقمية والتمرير على المنصات الاجتماعية يؤثر فعلاً على وظائف الدماغ.

ويوضح التقرير أن البيانات المتاحة لا تزال غير كافية لإثبات تغيّر هيكل الدماغ فعليًا بسبب الوقت أمام الشاشات، لكن هناك دلائل تشير إلى أن الوقت الطويل أمام الأجهزة يقلّل من فرص التفاعل الاجتماعي الحقيقي والنشاط البدني الضروري لتطوير الدماغ، خصوصًا لدى الشباب الذين لا يزالون في مراحل نموه.  

كما يؤكد التقرير أن مصطلح Brain Rot ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، بل وصفًا لوضع سلوكي ونفسي يمكن أن يظهر في صورة تعب معرفي، ضعف التركيز، وشعور بالإرهاق الذهني عند التعرض المستمر للمحتوى الرقمي السطحي. 


كيف يُلحق المحتوى غير المرغوب فيه الضرر بعقولنا

يمكن أن يؤدي إدمان وسائل التواصل الاجتماعي إلى تقليل المادة الرمادية في الدماغ، وتقصير فترات الانتباه، وإضعاف الذاكرة، وتشويه الوظائف المعرفية الأساسية.

وفي هذا الاطار قدّم عالم النفس كارلوس لوسادا نصائح  حول كيفية تجنّب الوقوع في فخّ التصفح السلبي المفرط ، أو بعبارة أخرى، الانجراف وراء دوامة لا تنتهي من المحتوى غير المرغوب فيه الذي تُضخّمه الخوارزميات. وشملت توصياته إدراك المشكلة، وبذل جهد واعٍ للانقطاع عن العالم الرقمي، والانخراط في أنشطة تتطلب حضورًا فعليًا، مثل مقابلة الأصدقاء أو ممارسة الرياضة.

في المقابل، يشير تقرير نشره موقع فوربس (Forbes) إلى خمس طرق رئيسية تؤثر بها الوسائط الرقمية على حياتنا:

انخفاض القدرة على التركيز: الإفراط في متابعة المحتوى السطحي يجعل الدماغ معتادًا على الإشباع الفوري، مما يصعب التركيز على المهام الطويلة والمعقدة، مثل القراءة أو حل المشكلات.

تقلص التفكير النقدي: التمرير المستمر عبر المنشورات القصيرة يؤدي إلى تراجع مهارات التحليل والتفكير العميق. وأظهرت دراسة أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يعانون من "الخوف من فقدان الفرص" (FOMO) يزداد تشتتهم عند الإفراط في استخدام هذه المنصات.

زيادة القلق والتوتر: دراسة نشرتها Taylor & Francis (2022) وجدت أن استهلاك الأخبار المفرط مرتبط بتدهور الصحة العقلية والبدنية، كما أن سرعة وتيرة الحياة الرقمية تضغط على الجهاز العصبي.

الإرهاق العاطفي: بحسب دراسة من Science Direct (2023)، يؤدي التعرض للمعلومات المتجاوزة، ومخاوف الخصوصية، والتنمر الإلكتروني إلى شعور بالإرهاق العاطفي، أحيانًا يصل إلى التخدر أو الانفصال عن المشاعر.

العزلة الاجتماعية: أظهرت دراسة من المكتبة الوطنية للطب الأمريكية (NLM, 2018) أن الاستخدام السلبي المفرط للإنترنت يمكن أن يزيد شعور الوحدة، فالتفاعلات السطحية على وسائل التواصل غالبًا ما تفتقر إلى العمق الذي توفره العلاقات الواقعية.

وعلى الرغم من أن مصطلح Brain Rot ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، إلا أنه يسلط الضوء على التحديات النفسية والمعرفية التي يواجهها دماغنا في العصر الرقمي. الإفراط في التصفح، الانغماس في المحتوى السطحي، وقلة التفاعل الواقعي قد تؤثر على التركيز والتفكير النقدي والصحة العقلية. ليبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لكل منا أن يوازن بين فوائد التكنولوجيا ومخاطرها على دماغه ووقته؟

المصادر:

The effects of ‘brain rot’: How junk content is damaging our minds

https://english.elpais.com/technology/2024-12-26/the-effects-of-brain-rot-how-junk-content-is-damaging-our-minds.html

Is 'brain rot' real? Experts weigh on on the impact of excessive screen time on our brains

https://www.euronews.com/health/2025/05/28/is-brain-rot-real-experts-weigh-on-on-the-impact-of-excessive-screen-time-on-our-brains

تعليقات